صديق الحسيني القنوجي البخاري

288

فتح البيان في مقاصد القرآن

على وفق كلامهم كقوله تعالى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ [ الإسراء : 29 ] والعرب تطلق غل اليد على البخل وبسطها على الجود مجازا ولا يريدون الجارحة كما يصفون البخيل بأنه جعد الأنامل ومقبوض الكف ، فمراد اليهود هنا عليهم لعائن اللّه أن اللّه بخيل ، قال ابن عباس : مغلولة أي بخيلة . وإن فسرت بالنعمة فنص القرآن ينطق باليدين ، ونعمه غير محصورة ، وأجيب عنه بأن هذا بحسب الجنس ، ويدخل تحته أنواع كثيرة لا نهاية لها وما أبعده . والجواب عن الجواب الأول أن اليد صفة قائمة بذات اللّه وهي صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء ، والذي يدل عليه أن اللّه تعالى أخبر عن آدم إنه خلقه بيديه على سبيل الكرامة ، ولو كان معناه بقدرته أو نعمته أو ملكه لم يكن لخصوصية آدم بذلك وجه مفهوم ، وامتنع كون آدم مصطفى بذلك لأن ذلك حاصل في جميع المخلوقات ، فلا بدّ من إثبات صفة أخرى وراء ذلك يقع بها الخلق والتكوين على سبيل الاصطفاء وبه قال أبو الحسن الأشرعي على ما نقله الرازي عنه وجماعة من أهل الحديث . والجواب عن الجواب الثاني أن الاسم إذا ثني لا يؤدي في كلام العرب إلا عن اثنين بأعيانهما دون الجمع ولا يؤدي عن الجنس ، فثبت أن اليد صفة للّه تعالى تليق بجلاله وإنها ليست بجارحة كما قالت المجسمة واليهود ، ولا بنعمة وقدرة كما قالت المعتزلة . ولما قالت اليهود ذلك أجاب سبحانه عليهم بقوله : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ هذا دعاء عليهم بالبخل ، فيكون الجواب عليهم مطابقا لما أرادوه بقولهم يد اللّه مغلولة ، ويجوز أن يراد غل أيديهم حقيقة بالأسر في الدنيا أو العذاب في الآخرة . ويقوي المعنى الأول أن البخل قد لزم اليهود لزوم الظل للشمس فلا ترى يهوديا وإن كان ماله غاية الكثرة إلا وهو من أبخل خلق اللّه ، وقيل المجاز أوفق بالمقام لمطابقة ما قبله . عن ابن عباس قال : قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس إن ربك بخيل لا ينفق فأنزل اللّه هذه الآية ، وعنه أنها نزلت في فنحاص اليهودي ، وعن عكرمة نحوه ، والمعنى : أمسكت أيديهم عن كل خير ، قال الزجاج : ردّ اللّه عليهم فقال أنا الجواد الكريم وهم البخلاء وأيديهم هي الممسكة . وَلُعِنُوا بِما قالُوا الباء سببية أي : أبعدوا من رحمة اللّه بسبب قولهم هذا فمن لعنتهم أنهم مسخوا في الدنيا قردة وخنازير ، وضربت عليهم الذلة والمسكنة والجزية ، وفي الآخرة لهم عذاب النار . ثم رد اللّه سبحانه عليهم بقوله : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ أي : بل هو في غاية ما